أحمد ابراهيم الهواري

56

من تاريخ الطب الإسلامي

وهناك أمر آخر أرى من المناسب أن أشير إليه وهو أن ابن سينا لم يقتصر في كتابه ( الشفاء ) وهو عن فلسفة المشائيين - على نقل ما وصله من أقوال أرسطو عن طريق التراجم بل أنه ( أي كتاب الشفاء ) هو حاصل ما فهمه هو نفسه من فلسفة أرسطو . اتصل أبو عبيد الجوزجاني تلميذ الشيخ وصاحبه حتى آخر أيام حياته أي ما يقارب خمسة وعشر بن عاما ولازمه في كل حال وكل مكان . لم ينفك عنه في سفر أو حضر ، وكان الراوي الثقة الذي نقل إلينا تاريخ حياة الشيخ . يقول أبو عبيد هذا في شرح أحوال الشيخ : ( ثم سألته أنا شرح كتب أرسطو طاليس فذكر أنه لا فراغ له إلى ذلك الوقت ، وقال : ولكن إن رضيت منى بتصنيف كتاب أورد فيه ما صح عندي من هذه العلوم بلا مناظرة مع المخالفين ولا اشتغال بالرد عليهم ، فعلت ذلك ، فرضيت به . وكان بعد محمد بن زكريا الرازي وقبل زمن الشيخ الرئيس ابن سينا طبيب آخر وهو على ابن العباس المجوسي الأهوازي ، وكان تلميذا لأبي ماهر موسى بن سبار المجوسي وله كتاب جامع في الطب اسمه ( كامل الصناعة الطبية ) ألفه وقدمه لعضد الدولة الديلمي الملقب بشاهنشاه أو ملك الملوك . وكان طبيبه الخاص ، ومن هنا سمى الكتاب بالملكى . ينتقد علي بن العباس في مقدمة مؤلفه هذا - وهو من الآثار الخالدة في الطب الإسلامي ، جميع الأطباء الكبار الذين سبقوه تراه يقول في المقدمة المذكورة : فأما أبقراط الذي كان أمام هذه الصناعة وأول من دونها في الكتب فقد وضع كتبا كثيرة في كل نوع من أنواع هذا العلم ، منها كتاب واحد جامع لكثير مما يحتاج إليه طالب هذه الصناعة ضرورة ، وهذا الكتاب هو كتاب الفصول ، وقد يسهل جمع هذه الكتب حتى تصير كتابا واحدا حاويا لجميع ما قد يحتاج إليه في بلوغ غاية هذه الصناعة ، إلا أنه استعمل فيه كسائر كتبه الإيجاز ، حتى صارت معان كثيرة من كلامه غامضة يحتاج القارئ لها إلى تفسير ، وأما جالينوس المقدم المفضل في هذه الصناعة ، فإنه وضع كتبا كل واحد منها مفرد في نوع من أنواع هذا العلم وطول الكلام فيه وكرره لما احتاج إليه من الاستقصاء في الشرح وإقامة البراهين والرد على من عاند الحق وسلك سبيل المغالطين ، ولم أجد له كتابا واحدا يصف فيه ما يحتاج إليه في درك هذه الصناعة وبلوغ الغرض المقصود إليه منها للسبب الذي ذكرته آنفا .